ابن عجيبة
274
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : ترى كثيرا من الناس يتمنون أن لو ظفروا بشيخ التربية ، ويقولون : لو وجدناه لجاهدنا أنفسنا أكثر من غيرنا ، فلما ظهر ، وعرف بالتربية ، تولى ونكص على عقبيه ، وتعلل بالإنكار وعدم الأهلية ، إلا قليلا ممن خصه اللّه بعنايته ( واللّه يختص برحمته من يشاء ) . ( واللّه ذو الفضل العظيم ) . سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه ، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه . ثم عيّن لهم الملك الذي طلبوا ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 247 ] وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 247 ) يقول الحق جل جلاله : وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ شمويل : إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ ملكا ، أي : عيّنه لكم لتقاتلوا معه ، وهو طالُوتَ وهو علم عبراني كداود ، قالُوا تعنتا وتشغيبا : أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا أي من أين يستأهل التملك علينا وليس من دار الملك ؟ لأن المملكة كانت في أولاد يهوذا ، وطالوت من أولاد بنيامين ، والنبوة كانت في أولاد لاوى . وقالوا : نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وراثة ومكنة ، لأن دار المملكة فينا . وأيضا هو فقير لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ يتقوى به على حرب عدوه ، وكان طالوت فقيرا راعيا أو سقّاء أو دباغا . قالَ لهم نبيهم - عليه السلام - : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ رغم أنفكم . قال وهب بن منبه : أوحى اللّه إلى نبيهم : إذا دخل عليك رجل فنش « 1 » الدهن الذي في القرن « 2 » فهو ملكهم ، فلما دخل طالوت نشّ الدهن . وقال السدى : أرسل اللّه إليه عصا ، وقال له : إذا دخل عليك رجل على طول هذه العصا فهو ملكهم ، فكان ذلك طالوت فتبيّن أن اللّه تعالى اصطفاه للملك ، وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ فكان أعلم بني إسرائيل بالتوراة وقيل : بالحروف وعلم السياسة . وزاده أيضا بسطة في الْجِسْمِ ، فكان أطول بني إسرائيل يبلغ إلى منكبه . وذلك ليكون أعظم خطرا في القلوب ، وأقوى على مقاومة العدو ومكابدة الحروب ، ( واللّه يؤتى ملكه من يشاء ) ؛ لأنه ملك الملوك
--> ( 1 ) نشّ الماء ينش نشا ونشيشا ونشش : إذا صوت عند الغليان . ( 2 ) القرن : هو قرن الثور وغيره . وأراد به هنا : القنينة التي يكون فيها الدهن ، وكانوا يتخذونها من قرون البقر وغيرها .